ابن المقفع
94
آثار ابن المقفع
لذة صغيرة حقيرة من النظر والسمع والشم والذوق واللمس ، لعله يصيب منها الطفيف أو يقتني منها اليسير . فإذا ذلك يشغله ويذهب به عن الاهتمام لنفسه وطلب النجاة لها . مثل الرجل والتنين في البئر التمست للإنسان مثلا فإذا مثله مثل رجل نجا من خوف فيل هائج إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصنين كانا على سمائها « 1 » فوقعت رجلاه على شيء في طي البئر « 2 » فإذا حيّات أربع قد أخرجن رؤوسهن من أجحارهن « 3 » ، . ثم نظر فإذا في قعر البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع فيأخذه . فرفع بصره إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان أسود وأبيض وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران « 4 » فبينما هو في النظر لأمره والاهتمام لنفسه إذ بصر قريبا منه بخلية « 5 » فيها عسل فذاق العسل فشغلته حلاوته وألهته لذته عن الفكرة في شيء من أمره وأن يلتمس الخلاص لنفسه . ولم يذكر أن رجليه على حيات أربع لا يدري متى يقع عليهن . ولم يذكر أن الجرذين دائبان في قطع الغصنين ومتى انقطعا وقع على التنين . فلم يزل لاهيا ، غافلا ، مشغولا بتلك الحلاوة ، حتى سقط في فم التنين فهلك . فشبهت بالبئر الدنيا المملوءة آفات وشرورا ومخافات وعاهات . وشبهت بالحيات الأربع الأخلاط « 6 » الأربعة التي في البدن ، فإنها متى
--> ( 1 ) سمائها : أعلاها . ( 2 ) طي البئر : جانبها المبني بالحجارة . ( 3 ) أجحارهن : الجحر ، بتقديم الجيم ، للهوام والسباع ، كالو كر للطير . ( 4 ) يفتران . يملان . ( 5 ) خلية : بيت النحل . ( 6 ) الاخلاط الأربعة هي : الدم والبلغم والصفراء والسوداء .